القرطبي
288
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ) أي ما يتخذونك . والهزء السخرية ، وقد تقدم . وهم المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة " الحجر " ( 1 ) في قوله : " إنا كفيناك المستهزئين " [ الحجر : 95 ] . كانوا يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن ، وهذا غاية الجهل ( أهذا الذي ) أي يقولون : أهذا الذي ؟ فأضمر القول وهو جواب " إذا " وقوله : " إن يتخذونك إلا هزوا " كلام معترض بين " إذا " وجوابه . ( يذكركم آلهتكم ) أي بالسوء والعيب . ومنه قول عنترة . لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب ( 2 ) أي لا تعيبي مهري . ( وهم بذكر الرحمن ) أي بالقرآن . ( هم كافرون ) " هم " الثانية توكيد كفرهم ، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر . قوله تعالى : خلق الانسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ( 37 ) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ( 38 ) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون ( 39 ) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ( 40 ) قوله تعالى : ( خلق الانسان من عجل ) أي ركب على العجلة فخلق عجولا ، كما قال الله تعالى : " الله الذي خلقكم من ضعف " ( 3 ) [ الروم : 54 ] أي خلق الانسان ضعيفا . ويقال : خلق الانسان من الشر أي شريرا إذا بالغت في وصفه به . ويقال : إنما أنت ذهاب ومجئ . أي ذاهب جائي . أي طبع الانسان العجلة ، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة . ثم قيل : المراد بالانسان آدم عليه السلام . قال سعيد بن جبير والسدي : لما دخل الروح في عيني
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 62 . ( 2 ) قاله لامرأة له من بجيلة كانت تلومه في فرس كان يؤثره على خيله ويطعمه ألبان إبله . ( 3 ) راجع ج 14 ص 46 .